جديد الموقع

Loading

الديكتاتور و سجن ستانفورد

بقلم: د.شريف عرفة

في دراسة أثارت جدلا واسعا، قام عالم النفس الأمريكي الكبير "فيليب زيمباردو" بتجربة شهيرة سميت "سجن جامعة ستانفورد".

قام الرجل بتقسيم مجموعة من الطلبة لمجموعتين، مجموعة لعبت دور مساجين و الأخرى سجانين، في بدروم جامعة ستانفورد الذي تم تقسيمه ليبدو كسجن.

قام الرجل بإحكام الحبكة لدرجة أخذ الطلبة "المساجين" من بيوتهم مقيدين بالأصفاد، على يد الطلاب الذين لعبوا دور السجانين و قد ارتدوا زي ضباط شرطة.

كانت القاعدة الوحيدة في اللعبة هي: لا قواعد.. على السجانين اتخاذ كل التدابير اللازمة كما يحلو لهم ، دون أي مساءلة من أي نوع.

 

و كانت النتيجة كارثية أثارت جدلا أخلاقيا واسعا في الأوساط العلمية..

راقب الرجل في قلق التحول المرعب الذي حدث للسجانين الذين يشعرون ألا مساءلة لهم مهما فعلوا.. فقد فوجئ و هو يراقبهم عبر شاشات المراقبة، كيف أصبحوا يتعاملون بخشونة و عنف لدرجة تعذيب زملائهم، رغم أنهم عرفوا بتهذيبهم و هدوئهم و تفوقهم الدراسي الذي جعلهم يلتحقون بهذه الجامعة العريقة..

أوقف الرجل التجربة فورا.. و قد استنتج شيئا أصبح موجودا في كل مراجع علم النفس الاجتماعي الآن..

و هو أن السلطة المطلقة تخرج أسوأ ما في النفس البشرية.

 

بنفس القلق، أراقب السلطات الواسعة المحصنة التي أعطاها مرسي لنفسه.. بحجة أنها مؤقته.. و بالحجة التي يقولها أتباعه أنه رجل طيب يمكن الوثوق فيه !

الثقة لا مكان لها حين نتعامل في إدارة دولة.. خصوصا من تيار كذب من قبل عدة المرات، حين أعلن شعار "مشاركة لا مغالبة" و أنه سيدعم مرشحا مدنيا، و لم ينفذ ما قال دون أي تبرير إلا أن "الأمور قد تغيرت!!!" دون توضيح !

لا أعرف مكانا للثقة لأن ما تعلمناه في علم الإدارة هو أن السلطة تتناسب طرديا مع المسئولية.. أي أن صاحب السلطة كلما زادت صلاحياته ينبغي أن تزيد معها مساءلته عما يفعل كي تستقيم الأمور.. و السلطة المطلقة مفسدة مطلقة كما تؤكد دراسات علم النفس الاجتماعي..

ما أعرفه هو أنه فشل في خطة ال١٠٠ يوم التي قطعها على نفسه بنفسه كي ينتخبه الناس.. و ما رأيته هو الهجوم الضاري من أتباعه لكل من يلفت النظر لهذه الحقيقة المجردة حين انتهت المدة و قد عجز عن التنفيذ.

 

أتباع هذا التيار الذين هتفوا هتافا مخيفا محددا لهم مسبقا -ككل ما يفعلون- يقول: اديها ميه اديها نار، محمد مرسي رئيس جبار!!

هناك تجربة أخرى يجدر ذكرها و تنطبق على حالتنا تلك..

إنها تجربة ميلجرام الشهيرة عن "الطاعة"

"obedience"

حين قام العالم بوضع شخص أمام جهاز تحكم قيل له أنه يحدد قوة صدمة كهربية يتعرض لها شخص في الغرفة الأخرى، و طلب منه أن يطرح أسئلة على هذا الشخص، و إن أجابها خطأ عليه أن يصعقه صعقة خفيفة على سبيل العقاب كي يتعلم.

قيل له أن الفولت القليل غير مضر.. و أمره العالم بزيادة الجرعة تدريجيا عند كل خطأ، و أن كل ما سيحدث علي مسؤولية صاحب التجربة فهو يعرف ما ينبغي عمله. بعد عدة أخطاء أمرة بزيادة الفولت.. و عند كل خطأ كان يأمره بهذا..

إلى أن وصلت شدة التيار الكهربي لدرجة مميتة.. أمره العالم بزيادة شدة التيار.. فأطاع الرجل !

صمت الرجل في الغرفة الثانية ليوحي أنه قد فقد الوعي.. فأمر العالم بزيادة التيار أكثر، فأطاع الرجل!

 

بالطبع كان الشخص في الغرفة الثانية ممثلا و لم يكن هناك تيار كهربي مميت، لكن هذه التجربة المخيفة وضحت شيئا مهما في النفس الإنسانية.. و هو أن الإنسان حين يؤمن بسلطة مطلقة يسلمها مقاليد أمره بالكامل دون تفكير، ففي إمكانه أن يتحول -بمنتهى البساطة- إلى شيطان.

 

حين نتحدث عن جماعات "السمع و الطاعة" و تبرير كل شيء دون تفكير من الشخص أو مراجعة .. و طاعة أوامر تأتيه عبر رسائل الموبايل بالتحرك و التظاهر و اطلاق هتافات محددة سلفا، و التحالف مع جماعات إرهابية يعرفون أنها كذلك طبقا لأدبياتهم..

و أن يفعل هذا باسم طاعة الله، فإن في هذا ما يخيف.

 

قامت الثورة من أجل فصل السلطات.. و لهدف هو ألا تتغول سلطة و تتجاوز الخط المحدد لها.. و هو ما يحدث الآن و تعارضه جماعات السمع و الطاعة دون فهم.

 

تصدي القضاء لمرسي هو صميم الفصل بين السلطات كي لا تتغول سلطة على الأخرى.. ما فعله مرسي يشبه إلا تعجبك الطريقة التي تسير بها مباراة كرة قدم، فتقرر إلغاء الحكم .. و تكون أنت الخصم و الحكم.

 

لست من دراويش أحد لأنني أعمل عقلي و أدعو الجميع لذلك دوما.. هاجمت البرادعي من قبل لكن تبين لي أن ما قاله الرجل هنا أفكار استراتيجية لا مجرد تكتيكات قصيرة الأمد .. قال هذا منذ أكثر من ٥ أشهر.

(اضغط الصورة للتكبير)

 

 

لم أنتخب الإخوان لافي الجولة الأولى و لا في الثانية.. و رأيي أن التيارات الدينية ليست هي الممثل الحقيقي لدين الله في الأرض بل هو اجتهاد وسط اجتهادات أكثر اعتدالا.. لسنا بلدا بوذيا و الكل يعرف هذا مهما زايدوا..

 

على الإخوان أن يدركون أن ما يقرب من نصف الشعب المصري قرر في الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة انتخاب شفيق و إفشال الثورة، لمجرد ألا ينتخبوا الإخوان خوفا منهم... بالإضافة لمن "عصروا على أنفسهم ليمونا" و انتخبوه رغما عنهم لاعتقادهم أنه أقل الضررين..

 

استقيموا يرحمكم الله.. فلا إجماع عليكم..

اخلقوا الإجماع بدلا من التصدي له

 

www.drsherif.net

تعليقات القراء