جديد الموقع

Loading

موعظة اليويو

د.شريف عرفة

لسبب ما، لا أعرف كيف ألعب باليويو.. هذه اللعبة البسيطة المكونة من خيط وبكرة خشبية تدور متأرجحة صعوداً وهبوطاً.. فحين أمسك الخيط وألقي البَكَرة -في ثقة- نحو الأرض، تظل مدلاة هناك دون حراك.. لماذا تصعد عند الآخرين ولا تصعد معي؟ لا أعرف.. لكن رغم علاقتي غير الودية مع اليويو، كثيراً مايراود بالي وأتعظ مما حدث لصاحبه الأشهر.. هل تعرف قصته؟
انتشر اليويو في أميركا في ثلاثينيات القرن الماضي، على يد رجل الأعمال «دونالد دانكان» بعد أن لاحظ إقبال الأطفال عليه.. أنشأ له مصنعاً عملاقاً غزير الإنتاج، ضخ ملايين اليويوهات في سوق الألعاب مع حملة إعلانية ضخمة.. ونجح في مشروعه لدرجة أن عدد «اليويوهات» المباعة في إحدى السنوات أصبح يفوق عدد الأطفال الأميركان أنفسهم! 
ماذا فعل الرجل بعد هذا النجاح الساحق؟ قرر الاستحواذ على السوق تماماً وسحق أي منافس.. بالانخراط في معارك قضائية عديدة، منها معركة عجيبة لترخيص كلمة «يويو» ذاتها، كي تصبح علامة تجارية يمتلكها هو وحده.. انشغل الرجل أكثر من اللازم بملاحقة المنافسين والتضييق عليهم، فظل يخسر الملايين تلو الملايين، إلى أن أفلست الشركة!
لا تزال هناك شركة لإنتاج اليويو تحمل اسم الرجل تيمناً به، لكنها ليست شركته الأصلية التي قادها للإفلاس.. 
أتذكر هذا الرجل دائماً، كلما رأيت شخصاً مشغولاً في معارك جانبية، أو مهتماً بالآخرين أكثر مما ينبغي.. هل لك هدف في الحياة تريد بلوغه؟ أو تنظر لأهداف الآخرين وتريد منعهم من تحقيقها؟ الفارق كبير بين الاثنين!
قواعد الرأسمالية تسمح لك بسحق منافسيك، وإخراج أكبر قدر منهم من السوق بأي طريقة ممكنة.. أما في حياتنا العادية، كبشر لا كآلات إنتاج صماء، فيمكنني ترك جاري يعمل ويرتزق من نفس مهنتي.. لتكون المنافسة بيننا في مدى إتقان وجودة ما نقدمه، فنتحمس ويتحسن أداء كل منا!
يتفاوت الناس في حظهم من سمو النفس والتعاطف.. هناك من تحركهم قيم أخلاقية ذاتية تتجاوز مصالحهم.. قد يخسرون المنافسة بلغة الأرقام، لكنهم يربحونها أمام أنفسهم حين يأوون لفراشهم ليلاً.
حقق الأهداف التي تريدها لنفسك، ولا تقارنها بما حققه الآخرون.. فالنجاح نسبي تختلف تجلياته من شخص لآخر، حسب ظروف حياته، والفرص المتاحة لديه.. نجاح غيرك لا يخصم من نجاحك..

ومن المؤسف أن تجد شخصاً عاجزاً عن تقييم نجاحه إلا بالنظر للآخرين..

فيظل احترامه لنفسه مهزوزاً متأرجحاً.. مثل اليويو!

 

 

تعليقات القراء