جديد الموقع

Loading

الحقيقة لونها رمادي

بقلم د.شريف عرفة

الجاهل، شخص جالس أمام ترعة يعتقد أنها البحر و يرى الضفة الأخرى بكل وضوح..

أما العالم، فيخوض غمار المحيطات و يصارع الأمواج كي يرى الضفة الأخرى و يكتشف مجاهلها.. يرى أكثر من الجاهل بكثير لكنه يدرك أنه لم يصل بعد.

لهذا يقال أن الجهل نعمة أما العقل فعذاب.. و يقول الإمام الشافعي " ما ناقشت عالما إلا غلبته و ما ناقشت جاهلا إلا غلبني" لأن الأمور محسومة عند الجاهل بشكل قاطع لا يحتمل النقاش.

حين يتعمق الإنسان في العلم -في أي مجال من المجالات- يدرك حقيقتين..أن هناك الكثير لم يعرفه بعد، و أن الحقيقة لها أكثر من وجه و رأي و تفسير، و أن عليه إدراكها جميعا كي يفهم.

التفكير العاطفي البدائي يرى الأمور ببساطة: أبيض و أسود.

أما التفكير العقلي التحليلي فيرى الأمور بشكل مختلف تماما.

فلنأخذ مثلا ما يحدث في مصر..

مصر بلد كبير معقد و فيه تداخلات و تفاصيل لآلاف العوامل و المؤثرات... محاولة فهم الأوضاع بطريقة (يا أبيض يا إسود) لن تأخذنا إلى شيء إلا التصارع و التخوين و التشاتم.

الوضع في مصر يشبه صورة (فوتوموزايك) كالصورة المرفقة بالموضوع.. عشرات الصور تكون صورة واحدة كبيرة.

ما يحدث في مصر هو أن كل شخص يرى صورة واحدة فقط و يعتبر أنها هي الصورة كاملة.. و يرفض من يركز على صورة أخري و يشتمه و يلعنه و يخونه.

من يرى رمي المولوتوف و تكسير الجدار الفاصيل يشتم الثورة و الثوار.. و من يري عنف الأمن و سحلهم للفتاة يشتم من يدعو للتهدئة و يتهمه بالخيانة..

ألا يمكن أن نكون في منطقة وسط بعيدا عن الأبيض و الأسود؟

ألا يمكن أن تكون الحقيقة العقلية المجردة هي حصيلة آرائنا جميعا؟

علينا أن نرى كل الزوايا و ألا تستبعد أي احتمال، فكل شيء وارد و يحدث بالفعل..
فمن يسخر من فكرة الجواسيس -مثلا- لا يعلم أن اسرائيل تزرع جواسيس في أمريكا ذاتها (آخرهم بن عامي كاديش الذي سرب أسرارا نووية).. و من يشتم الثورة يتناسى فجور النظام السابق .. و من يشتم البرادعي يتناسى أنه وقف ضد مبارك في قمة جبروته (من منا لم يوقع بيان التغيير أيامها حالما بالتغيير؟) ... و من يشتم العسكر يتناسى وجود مبارك المهين في قفص و أن هناك انتخابات نزيهة لأول مرة في حياتنا..

لا يوجد أبيض و أسود.. الحقيقة لونها رمادي
لا يوجد ملائكة و شياطين.. نحن بشر

فهل من الممكن أن نتقبل أن هناك اختلافا في وجهات النظر و أن هذا جزء طبيعي من الحياة ؟

هل من الممكن أن يتقبل المتشدد أن من حق غيره ألا ينظروا للدين بنفس نظرته له؟
أو أن يتوقف الفلول عن الخوض في أعراض المتظاهرات لمجرد خلاف فكري؟
أو أن يتقبل الليبرالي أن الشعب اختار و أن عليه أن يتحمل نتيجة اختياره؟

هل من الممكن أن ندرك أننا مختلفون ، و أن علينا تقبل هذا لأنه لن يتغير أبدا ؟

و الأهم من كل هذا..
هل من الممكن ألا أجد شتائم على هذا المقال؟

د.شريف عرفة

تعليقات القراء