جديد الموقع

Loading

إنهاء التطرف لا يكفي!


د.شريف عرفة
ليس الإنسان كائناً مسالماً بالفطرة، كما تؤكد مدارس نفسية مختلفة.. فلا يكاد يخلو التاريخ البشري من الصراعات، وكأن الحرب هي القاعدة والسلام هو الاستثناء.. ولا يزال العدوان غريزة بدائية كامنة في كثير من البشر تتحين فرصة التعبير عن نفسها بشتى السبل.. ولم تنجح الحضارة الحديثة بكل منجزاتها، في القضاء على تلك الرغبة البدائية في الصراع لهزيمة طرف آخر، بل جعلتها تأخذ أشكالاً أكثر تهذيباً.. كتشجيع الرياضات التنافسية أو متابعة المناظرات الفكرية، إذ ما زال هناك شعور بالمتعة والإثارة لا شك فيه، عند متابعة نزاع ما ضد آخر ما!

الجذور النفسية للتطرف
في عديد من التجارب العلمية المعاصرة، لاحظ العلماء أن تقسيم الناس لمجموعات بشكل عشوائي (حسب لون الشعر مثلاً) يجعل أفراد كل مجموعة يترابطون وينسجمون فيما بينهم، بل ويتحيزون لجماعتهم ويفضلونها على الجماعات الأخرى! ويتكرر هذا السلوك العجيب لو تم تقسيمهم لمجموعات حسب أي معيار آخر (حسب الطول، أو لون العين، أو شكل الملابس..)، بل حتى لو تم تقسيمهم بشكل عشوائي تماما!

لماذا تتصرف عقولنا على هذا النحو؟
التحيز لجماعة ضد الجماعات الأخرى، نزوع نفسي قديم، يرى علماء علم النفس التطوري أنه ظهر في العصر البلاستوسيني، الذي عاش فيه الإنسان وسط بيئة قاسية مليئة بالأخطار الطبيعية.. في هذه البيئة كان لزاماً عليه الانضمام لجماعة، والتماهي مع القطيع، ليستطيع البقاء على قيد الحياة.. وفي ظل شح الموارد والصراع الدموي المستمر من أجل البقاء، لا يمكن الثقة في أفراد الجماعات الأخرى، بل ينبغي النفور تلقائياً منهم.. عقلية القطيع تتلخص في أننا (نحن) جيدون، و (الآخر) وغد.

أليس في هذا بذرة التطرف المسبق ضد الآخر؟
ينزع الإنسان للتفكير بهذه العقلية، ما لم تقم الثقافة والتربية وخبرات الحياة بإكسابه المهارات النفسية اللازمة لتقبل قيم حديثة نسبياً في تاريخ البشرية، كاحترام التعددية والتنوع والمساواة والحرية الشخصية.. أي تعليمه كيف يكون متسامحاً مع الآخر من أعماق نفسه، حقيقة لا ادعاءً.
لذلك من الضروري التعامل مع التطرف كطريقة تفكير لا محتوى معرفي.. التطرف كالوعاء، لن يفنى لو قمنا بسكب محتواه.. أي أننا لو اكتفينا فقط بالقضاء على خطاب ديني متطرف (المحتوى المعرفي) فلن يؤدي هذا إلى القضاء على عقلية التطرف (الوعاء)، بل يجعلها مستعدة لأي نوع آخر من التطرف البديل (العلماني أو القومي أو العشائري أو المناطقي...إلخ) لأن هذا مجرد تغيير شكلي لنوع التطرف، لا إلغاء وجوده كنزوع نفسي!
لو أردنا حقاً نشر التسامح، ينبغي التدريب عليه فكرياً ووجدانياً.. لا الاكتفاء باقتلاع التطرف فقط!

بذرة التسامح
منذ سنوات، كنت مدعواً لغداء يجمع أسرتي وأصدقاء من إيطاليا. وبينما كنا نتجاذب أطراف الحديث، دخلت علينا من النافذة حشرة عملاقة رمادية شعثاء غريبة.. فساد الوجوم والصمت، وخيم شعور يمزج بين الحذر والتقزز، بينما راحت الحشرة تحرك قرون استشعارها في بطء.
همّ أحدنا بالابتعاد، وهمّ آخر بالبحث عن شبشب.. إلا أن المرأة الإيطالية قامت ببساطة من مكانها وتوجهت صوب الحشرة لتمسك بها، وتضعها بين راحتيها.. وتوجهت نحو النافذة لتطلق سراحها، فطارت بعيداً. التفتت لنا وقالت باسمة إن هذه الحشرة «الجميلة» نادرة غير مؤذية.. فلماذا لا ندعها تعيش؟
ظل هذا المشهد محفوراً في ذهني لسنوات طويلة.. وكنت أتساءل: لماذا شعرنا بالعدوانية تجاه هذه الحشرة البريئة، بينما شعرت هي بالحنو؟ 
لو حللنا هذا التصرف، سنجد أن المرأة ربما تعرف هذه الحشرة جيداً في بلادها.. نشأت وسط من يمسكون بها فاعتادت شكلها والتعامل معها.. هذه الحصيلة المعرفية والوجدانية كفيلة بتقويض شعورها الغريزي بالعدوان تجاه كائن مسالم.. لم تكن الحشرة مجهولة لها، بل مألوفة وعادية.. بل إنني بعد ذلك عرفت أنها مجرد Moth أي نوع من الفراشات.. 
لماذا «تطرّفنا» ضد فراشة مسالمة غير ضارة وأردنا إيذاءها؟
الإجابة هي: بسبب الجهل وعدم الألفة وعدم التعاطف. 
وهي الأمور التي ينبغي التغلب عليها، لزيادة التسامح!

فضيلة التفتح الذهني
تقول الحكمة إن الناس أعداء ما يجهلون. لن تستطيع أن تتعاطف مع شخص ما لم تفهمه، ولن تفهمه إلا حين تتعرف عليه، وتدرك وجهة نظره. 
لذلك يرى علماء علم النفس الإيجابي، أن «التفتح الذهني» واحد من أرقى الفضائل العقلية.. وهي صفة يتم تعريفها بـ:«سعي الإنسان المستمر للبحث في الأدلة التي تدعم وجهة النظر المخالفة له!».
لماذا يعتبر هذا مهماً؟ لأنه يوسع المجال المعرفي للإنسان فلا يظل حبيساً للأفكار التي يتلقاها ممن حوله دون تفكير.. بل يصبح رصيده المعرفي أكثر ثراء وتنوعاً.. ولا يتخذ وجهة نظره لأنه جاهل تم تلقينه، بل لأنه يفهم الموضوع جيداً من جميع جوانبه.. يفهم وجهة نظر الآخرين ويدرك دوافعهم، وهو ما يجعله -بالتالي- أكثر تقبلاً للاختلاف وتسامحاً مع المختلف.
لمعرفة مدى تمتعك بهذه الصفة، فكر في أي قضية لك رأي واضح فيها. ثم أحضر ورقة وقلماً، واكتب أكبر عدد ممكن من الأدلة والبراهين التي تدعم وجهة النظر المخالفة لك!
هل فعلت؟ كلما زاد عدد هذه الأدلة، كلما كنت أكثر تفتحا ذهنيا.. وهذا مهم، لأنك الجهل بوجهات النظر الأخرى، والتحيز المسبق ضدها دون تفكير، هو نوع من التطرف!

من هو الآخر؟
هل قرأت يوماً كتاباً يتحدث عن الفضائل الأخلاقية التي يدعو لها دين آخر، بقلم أحد أتباعه؟
هذا مثال لنوع من القراءات الضرورية لو أردنا حقاً فهم الآخر وإدراك أن لنا ذات «الأرضية الأخلاقية» وأن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا.. ومن المؤسف أن مثل هذه الكتب ممنوعة في أكثر الدول العربية! هل لهذا تداعيات؟
في العالم العربي، لا ندرس الأديان أو الفلسفات الأخرى في المدارس كي نعرف أننا لسنا وحدنا في هذا الكون.. ونمعن في تمييز أنفسنا عن الآخر وكأن ليس بيننا قواعد أخلاقية مشتركة.. لكن القارئ الذي يتمتع بفضيلتي الفضول والتفتح الذهني، يسعى بنفسه -بشكل فردي للأسف- لتنويع مجالات القراءة والتعرف على طيف أوسع من وجهات النظر المختلفة.. يقرأ في الأديان والفلسفات والمدارس الفكرية المختلفة.. فيدرك أن كل شخص لديه من المبررات -المنطقية بالنسبة له- التي تبرر سلوكه.. قس على ذلك كل المختلفين عنا دينياً وأيديولوجياً.. ربما لو كنت مكانهم (أي ولدت في نفس الظروف ونشأت نفس النشأة..) لتبنيت نفس الآراء والمعتقدات أو سلكت نفس السلوك..!
لذلك تجد المنادين بتقبل الآخر جلهم من المثقفين المنفتحين، لا المتشددين المنغلقين!

التقمص العاطفي
إذا كان التفتح الذهني ضرورياً لفهم الآخر، فالتقمص العاطفي Empathy ضروري لنتعاطف معه. يتم تعريف التقمص العاطفي بأنه القدرة على وضع أنفسنا مكان الآخر وكأننا نعيش ذات تجربته الحياتية، أي أن نشعر بنفس شعوره.. نتألم لألمه.. ونحزن لحزنه.. ويسهل تنمية هذه الصفة حين يكون هذا الآخر مقرباً منك على المستوى الإنساني.. فكيف يتحقق هذا؟
التسامح صفة مكتسبة يتعلمها معظم الناس من مجتمعاتهم.. ولو نظرت للمجتمعات التي تعاني صراعات طائفية اليوم، ستلاحظ بسهولة أن فيها أحياء ومناطق مخصصة لكل طائفة، وكأن لكل منها غيتو منعزلاً.. يمكن للشخص أن يعيش مكتفياً بالتعامل فقط مع الذين يشبهونه.. وفي هذا خطر بالغ لأنه يرسخ عقلية (نحن وهم). الآخر في هذه الحالة مجهول، لا أعرفه ولا أتعامل معه.. وبالتالي من الصعب أن أتعاطف معه.
حين يختلط الناس ببعضهم وتتشابك علاقتهم في سياقات عديدة، كالصداقة والزمالة والجيرة والشراكة والمصاهرة والمعاملات المختلفة.. فإن هذا التداخل الاجتماعي يساهم في ترسيخ التعاطف والتسامح والتآلف..
في المدرسة، كان لي صديق مسيحي، اعتاد دعوتي لإفطار رمضان في منزله وسط أسرته.. وربما ساهمت هذه الذكرى في نفوري الشديد من الداعين لاضطهاد أصحاب أي دين. وكان جدي أسمر البشرة، وبالطبع ساهم هذا في احتقاري الشديد لتصنيف الناس حسب لون بشرتهم..
لا نتحدث هنا عن فهم الآخر على المستوى الفكري، بل التعاطف معه إنسانياً.. فتشابك العلاقات الإنسانية يجعل الناس يشعرون بالانتماء تجاه بعضهم كمجتمع واحد.. خصوصاً مع إعلاء هوية مشتركة أكثر شمولاً واتساعاً -تتجاوز التقسيمات البدائية التي تضر أكثر مما تنفع.. أي الإعلاء من قيمة كـ (الإنسانية) مثلاً.. أي جعل دائرة الانتماء أوسع لتشمل الجميع..
كلما اتسعت دائرة الانتماء، زاد التسامح.

قراءة الأدب تعزز التسامح
وجد العلماء أن قراءة الأدب مفيدة في تنمية الوعي بتعدد وجهات النظر والتدريب على التعاطف مع شخصيات مختلفة الرؤى! 
نتكلم طبعاً عن الأدب الحقيقي، الذي يغوص بك في أغوار شخصيات مختلفة عنك فكرياً وأخلاقياً لتفهم طريقة تفكيرها.. لا الأدب المعقم الطفولي.. الفن الحقيقي يصطدم مع مسلمات المرء واستقراره الفكري ليجعله أكثر وعياً ونضجاً وإدراكاً لتعقيدات الحياة… نتكلم عن روايات كـ (الجريمة والعقاب) لديستويفسكي أو (السراب) و(حضرة المحترم) لنجيب محفوظ.. حيث تندمج فيها مع شخصيات غريبة ساقطة مختلفة عنك تماماً فتصبح أكثر وعياً وفهماً لعوالمها الذهنية.. الروائي الحقيقي عالم نفس بارع يجعلك تتقمص عقليات أشخاص آخرين لتفهم طريقة تفكيرهم ودوافعهم ومبررات تصرفاتهم.. وهذا مفيد للقارئ الناضج على المستوى المعرفي والنفسي.. ولا عجب أن الدكتور يحيى الرخاوي (عالم النفس التطوري الشهير) قال لي يوماً إنه يتعلم من روايات «نجيب محفوظ» أكثر مما يتعلم من مراجع علم النفس! 
وفي عالم عربي لا يقرأ، يمكن التركيز في تقديم هذه القصص في السينما والدراما التلفزيونية مثلاً.. أي الروايات التي تقدم وجهة نظر شخصية مختلفة، كأقلية دينية أو مذهبية أو عرقية مثلاً، كي يعرف المتلقي العادي رؤيتها للعالم ويتقمص مشاعرها ويستطيع التعاطف معها.. ففي تجربة علمية، وجد العلماء أن مشاهدة فيديو يصور معاناة فرد من أقلية معينة، يساعد في زيادة التعاطف معها وتفهم ما تعانيه.
حين تقدم الدراما التلفزيونية شخصيات نمطية بلاستيكية معقمة ذات توجه قيمي واحد، فإن هذا لن يساهم في ارتقاء المشاهد وتنمية وعيه بتعدد وجهات النظر.. بل سيجعله أكثر تشدداً واستنكاراً حين يصادف ما يخالف منظومته الفكرية المعتادة..لأنه لم يعتد هذا.. لذا ينبغي تقديم «الآخر» في الدراما وعرض أسلوب حياته ورؤيته للعالم لتعزيز التقمص العاطفي والتسامح.. 
وهو ما تقوم به هوليوود بالمناسبة، حين تقدم أقليات معينة باستمرار لتعزيز دمجها وتقبلها في المجتمع الأميركي!.

وصفة للتعايش
من الضروري التعامل مع التطرف كطريقة تفكير لا محتوى معرفي .. التطرف كالوعاء، لن يفنى لو قمنا بسكب محتواه.. أي أننا لو اكتفينا فقط بالقضاء على خطاب ديني متطرف (المحتوى المعرفي) فلن يؤدي هذا إلى القضاء على عقلية التطرف (الوعاء) بل يجعلها مستعدة لأي نوع آخر من التطرف البديل (العلماني أو القومي أو العشائري أو المناطقي...إلخ) لأن هذا مجرد تغيير شكلي لنوع التطرف، لا إلغاء وجوده كنزوع نفسي!
لو أردنا حقاً نشر التسامح، ينبغي التدريب عليه فكرياً ووجدانياً.. لا الاكتفاء باقتلاع التطرف فقط!

كلمة أخيرة
تشكل عقلية القطيع (نحن وهم، معنا أو ضدنا، صواب أو خطأ، أبيض أو أسود) قنبلة اجتماعية موقوتة تنتظر الانفجار.. فالتطرف طريقة تفكير، لا محتوى.. واختلاف وجهات النظر سنة كونية تحدث بين أبناء الوطن الواحد والأيديولوجيا الواحدة.. وإن لم يتدرب العقل الجمعي لمجتمع ما على احترام - بل والدفاع عن - الحق في الاختلاف والتعدد، فإن هذا نذير بتفتت وتصادم مكوناته يوماً ما. 
التسامح مسألة أمن قومي..

والدفاع عن التعددية -لا إلغاؤها- هو ما يحافظ على تماسك المجتمع.

 

تعليقات القراء