جديد الموقع

Loading

حواري مع : شاب وصل للقمة

تعرفون أن طبيعة كتاباتي تحتم أن أقرأ الكثير عن حياة الناجحين وأن أقابل العديد منهم.. إلا أن ضيفي اليوم جعلني أتوقف عنده كثيرا جدّاً !

 شاب مصري في العشرينات من العمر.. لم أكن أعرفه قبل وصوله لسقف العالم.. وقبل أن يسجّل التاريخ اسمه كأول مصري يصل إلى قمة إفرست. حين قابلته لم أكن أتوقع أن أستمتع بالحوار معه لهذه الدرجة. حواري اليوم مع "عمر سمرة" و سأكتب بعض خواطري -مظللة باللون الأصفر- تعليقا على كلامه....

البداية

- ألو.. أيوه يا "عمر".. حاولت أكلمك امبارح لكن موبايلك كان خارج نطاق الخدمة..

- أيوه معلش يا "شريف".. أصل أنا كنت في جبل سانت كاترين امبارح..

كانت هذه هي المكالمة التي حددنا فيها موعد اللقاء.. لاحظ معي أن "عمر" لا زال يمارس هواية تسلق الجبال حتى حين عاد إلى مصر.. لاحظ أنه لم يتسلّق قمة إفرست وانتهى الأمر.. لكنه يحب تسلق الجبال لذلك تسلق قمة إفرست.

كي تنجح في شيء ما.. يجب أن تستمتع به.

حول العالم في 370 يوم

بعد تخرجي -يقول "عمر"- سافرت إلى لندن سنة 2000 لأعمل في بنك (HSBC) هناك.. وفي يوم من الأيام كنت جالسًا مع أحد الزملاء, وكنا نتكلم عن أحلام كل منا.. ورحنا نتكلم عن فكرة أن يقوم المرء برحلة حول العالم. أعجبتني الفكرة, وقررت أن أقوم برحلة حول العالم فعلا.. وكي أربط نفسي بهذا الحلم, اشتريت فورا خريطة لأوربا واشتريت دراجة كي أتمرن عليها, واشتريت تذاكر السفر كذلك!

أولا: كي تنجح لا بد أن تتحكم في (المدخلات) التي تستقبلها في حياتك. هل تجالس أناساً إيجابيين يتكلمون عن الأهداف المهنية والطموحات وتحقيق الأهداف؟ أم إنك تجالس المحبطين الذين لا يتكلمون إلا عن الفشل؟
ثانيا: لاحظ أن "عمر" قرر فورا -فوراً!- أن يأخذ خطوة جدّية نحو هدفه.. وقرر أن يشتري خريطة وعجلة وتذكرة (عشان يزنق نفسه!).. خذ الخطوة اليوم.. مهما كانت خطوة صغيرة، لكنها البداية للوصول إلى القمة.

سافرت لمدة أسبوعين و نصف تجولت خلالها في جنوب أسبانيا.. ثم قررت بعدها أن أرى العالم.. حين تزور أي بلد كسائح -يقول عمر- فأنت لا ترى فعلاً هذا البلد.. قررت أن أذهب لهذه البلاد بنفسي كي أعرف الناس على حقيقتهم وأرى حياتهم الحقيقية.. تمرنت شهرين على هذه الرحلة.. فقد قررت أن أزور 14 دولة في آسيا وأمريكا اللاتينية.

- ما الذي استفدته من هذه الرحلة؟

- عرفت هدفي الحقيقي.. وجدت أنني أريد أن أرى العالم وأعرف الناس وأتعرف على الثقافات المختلفة.

- ما الذي عرفته عن الناس؟

- أحيانا يكون الناس مختلفون في ثقافاتهم، لدرجة أنك قد تشعر أنهم من عالم آخر! لكن يجمعنا جميعًا الإنسانية والطبيعة البشرية.. قد تجلس مع رجل بسيط في قرية فوق جبال بيرو, وتكلمه عن السعادة وأولاده وما الذي يريده في المستقبل وما يشغل باله.. كلنا بشر.. هذا ما أردت أن أعيشه وأراه بنفسي.

السعادة ليست بالضرورة مالاً أو جاهًا أو نجاحًا وظيفيًا.. السعادة شعور داخلي يأتي من تحقيق هدفك الذاتي، الموجود بداخلك أنت. لا يجب أن تشغلك تفاصيل الحياة دون أن تعرف إلى أين أنت ذاهب.. وهو ما وجده "عمر" أثناء هذه الرحلة.. لقد اكتشف هدفه..

- في يوم من الأيام -يقول "عمر"- جاءني إيميل من أحد زملائي في الماجستير, و يقول أنه يريد المشاركة في رحلة لتسلق قمة إفرست. أيقظ هذا الإيميل حلما قديما.. حين كان عندي 16 سنة كان عندي هذا الحلم..وجدت أن هذا الهدف يداعب خيالي.. وهنا قررت أن أصل إلى قمة إفرست.

الهدف كبير.. هل لاحظت هذا؟ كي تحدد هدفاً يجب أن يكون واقعيًا وطموحًا ومحددًا وموقوتًا.. كلها شروط كانت في هدف "عمر". 

 

التأمل

- كلمني عن الرحلة.

- قبل الرحلة لا بد من مرحلة طويلة وشاقة من التدريب المستمر.. فقمة إفرست يبلغ ارتفاعها 8850 مترًا وهو ارتفاع يقل فيه الأوكسجين، ويختلّ فيه الضغط.. لقد مات الكثيرون ممن حاولوا الوصول إلى هذه القمة, وكنت أعرف هذا جيداً.

في خلال فترة التدريب أصبت بفيروس أقعدني لمدة شهرين.. نصحني الطبيب بالتخلي عن حلم الوصول للقمة, وأكد لي أنني لن أستطيع التسلق قبل عامين.

- وماذا فعلت؟

- قررت أن أتعافى سريعاً.. لا يمكن أن أقوم بشيء إلا الراحة فما الذي يمكنني عمله؟ علمني حكيم صوفي في إحدى رحلاتي طريقة للتأمل.. أعتقد أنها ساعدتني على الشفاء في خلال شهرين على عكس ما كان يتوقع الطبيب..

اعتقادك وإيمانك بالشفاء كفيلين بتسريع هذا الشفاء. تكلمنا من قبل عن التأمل meditation والعلاج الإيحائي Hypnotherapy في حلقات سابقة.. ومن المعروف أن هذه التقنيات تساعد عن رفع الروح المعنوية وإعطاء دفعة إيجابية.. وهي أشياء تساعد على الشفاء, إلى جانب العلاج الطبي الحقيقي.

- هل هناك تمرينات ذهنية تتعلق بعملية التسلق ذاتها؟

- نعم.. كنت أمارس هذا التدريب الذهني قبل التسلق: بعد الوصول إلى حالة الاسترخاء والصفاء الذهني.. أتخيل أنني في الخيمة أستعد لعملية التسلق.. أجمع الأشياء التي أحتاجها في الحقيبة.. وأرمي بكل ما لا أريده في صندوق قمامة خارج الخيمة.. أتخيل أنني أرمي بأشياء أريد التخلص منها.. كالإحساس بالخوف والضعف.. وآخذ معي كل ما أريده مثل الإصرار والعزيمة والشجاعة.. أتخيل نفسي صاعداً للقمة.. ومع كل خطوة أشعر بمشاعر إيجابية أكثر.. أتخيل أن القمة تقترب.. تقترب.. وعلى القمة أجد شخصاً في انتظاري.. هو أنا.. لكنه أكثر ثقة و قوة.. أتأمله قليلا و أرى مدى قوته و أريد أن أكون مثله. أتخيل نفسي وأنا أقترب من هذا الشخص وأندمج معه.. استشعر مدى القوة و الثقة في داخلي بعد هذا الاندماج.. ونبدأ رحلة الهبوط وقد أصبحت إنسانًا جديدًا.

هذه الطريقة ترمز لاندماج الإنسان مع (الأنا العليا) أي الصورة المثالية التي ينشدها المرء.. وفي خطوات هذه الطريقة يتخلص من المشاعر السلبية ويكتسب مشاعر إيجابية؛ كي تساعده عندما يبدأ في تحقيق هذا الحلم فعلا. (راجع حلقات: السر -التأمل -التنويم الإيحائي, لمزيد من التفاصيل عن هذه التقنيات)

وبدأت الرحلة

- كلمني عن الرحلة نفسها..

- الصعود إلى قمة إفرست ليس سهلا.. فعملية التسلق وحدها تستغرق شهرين من الإرهاق البدني والنفسي.. - وحين يصل الإنسان إلى هذا الارتفاع الشاهق (أكثر من 8000 متر) فإن الأوكسجين والضغط يصلان إلى درجة مميتة.. فأجسامنا غير مهيأة لتحمل هذه الظروف.. درجات الحرارة تصل إلى 60 درجة تحت الصفر، وقلة الأوكسجين تزيد من الإحساس بالإرهاق والتعب والدوار, لدرجة أن أي مجهود مهما كان بسيطًا, كربط الحذاء مثلا يعد مرهقا بدنيًا جدّاً! كما أن الماء غير متوفر بكثرة؛ لأن درجة الحرارة هناك لا تسمح بوجود ماء أساساً.. لا بد أن نذيب الجليد كي نحصل على الماء الذي لا يكفينا. ... في هذه الظروف قررنا, وبدأنا عملية التسلق.

- هل هناك صعوبات أخرى؟

- في كل مرحلة كانت تزداد الصعوبات.. كانت هناك الانهيارات الجليدية الكفيلة بالقضاء على حياتنا.. كانت هناك الشقوق الجليدية التي لا تستطيع أن ترى قاعها, ويقول السكان المحليون إنك لو سقطت فيها ستصل إلى أمريكا!

قرب القمة لو انزلقت قدمك ستسقط لعدة كيلومترات حتى تصل إلى الأرض!

- هل حدثت حوادث أثناء التسلق؟

متسلق كنت أعرفه فقد حياته في انهيار جليدي.. كان هذا الرجل يسبقنا بنصف ساعة.. مما يعني أن الخطر كان قريبا منا جدّاً..

- وماذا فعلتم.؟

- دفناه في الجليد وكنت أشعر بحزن شديد من أجله.. اجتمعنا ورحنا نفكر في القرار الذي علينا أن نتخذه.. هل نكمل الصعود أم نعود؟ كانت التدريبات التي تدربناها على جبال أخرى, قد علمتنا أن نعمل كفريق، ونتخذ القرار معًا، ونعرف نقاط ضعف كل منا كي نتحرك كمجموعة. وبعد فترة من النقاش قررنا مواصلة الصعود.. وبينما نحن نصعد, مررنا مرة أخرى بالمكان الذي دفنّا فيه هذا الرجل.. وهو ما جعل عيني تدمعان، وقد كنت حزينا جدّاً من أجله. الصعود إلى قمة إفرست صعب بدنيًا.. لكن نفسيا هو أصعب بكثير!

لو قررت أن تصل إلى هدفك فلا بد من العقبات. من قال إن الطريق لا بد أن يكون مفروشا بالورود كي تصل إلى هدفك؟ قل لي.. ما هي الصعوبات التي تواجهك؟ هل لا تجد الهواء الذي تتنفسه أو الماء الذي تشربه؟ هل تتعرض في كل لحظة للموت في سبيل الوصول إلى هدفك؟ لو أردت الوصول فإن عليك أن تتوقع الصعوبات وتستعد لها.. وحين تواجهك, فإن عليك مواجهتها.. لا أن تسمح لنفسك بأن تنكسر وتعود أدراجك. لو كنت تريد الوصول فعلاً، ستصل كما فعل "عمر". الوصول إلى القمة صعب.. لذلك لا يصل إلى القمة إلا من يستحق.

الوصول إلى القمة

كنا جالسين في المخيم, كي نستعد لليوم التالي.. الذي هو يوم الوصول إلى قمة إفرست. كانت مشاعرنا متضاربة في هذه اللحظة.. كان البرد شديداً والتنفس صعباً.. إلا أنني كنت أفكّر في حلمي الذي كان عمره 12 عاماً من التعب والتدريب.. وهاهو قريب, يفصلني عنه يوم واحد.

في السابع عشر من مايو 2007، في الساعة 9:49 صباحا بتوقيت كتمندو عاصمة نيبال أي حوالي 7:19 صباحاً بتوقيت القاهرة. وصل المصري "عمر سمرة" إلى سقف العالم.. قمة إفرست.

يقول "عمر" عن هذه اللحظة: لا أستطيع وصف إحساسي حين وصلت للقمة.. فأنا على سقف العالم في مكان تعجز الهليكوبترات عن الوصول إليه.. وقد وصلت إليه بنفسي. المشهد فوق إفرست كان رائعًا.. كان الجو صافيًا وقتها مما جعلني قادراً على رؤية جبال باكستان من هذا المكان.. وترى السحب تحت قدميك. هو مكان تستطيع أن ترى فيه بوضوح حوافّ الأرض، وترى أن الأرض فعلا كروية! لقد حققت حلماً سعيت 12 عاماً لتحقيقه.

 كي تعيش مع "عمر" هذه اللحظات، شاهد الفيديو:

تعليقات القراء