جديد الموقع

Loading

طاقة العلم الزائف!

 يحاول مروجو العلوم الكاذبة إلصاقها بالعلم الحديث لتكتسب مصداقية، و يحسب المستمع أنها علمية حقا رغم أنها ليست كذلك.فتحت التلفزيون منذ فترة،  فوجدت شخصا مسليا يؤكد وجود مراكز طاقة في الجسم "شكرات" يمكن استغلالها للعلاج و النجاح في الحياة.. و أن الجسم فيه طاقة "ين" و طاقة "يانج"، و سر الصحة هو الانسجام بين هاتين الطاقتين

 

ما يتكلم عنه هذا الشخص يسمى علم بدائي Protoscience.. أي علم كان معروفا عند القدماء حسب مستوي المعارف في عصرهم (مثل التنجيم و الخيمياء الذان تطورا بعد الثورة العلمية الحديثة ليصبحا علم الفلك و علم الكيمياء).

 

 بعد ظهور العلم الحديث، عرفنا ان "مسارات الطاقة" لا دليل علمي عليها.. لم يتم إثباتها أو نفيها كآلية لعمل هذه الأشياء.. فلا توجد "شكرات" في مراجع التشريح و الفسيولوجي.. لكن استمر استخدام ممارسات العلاج بالطاقة لأنها مريحة نفسيا، فحين تتخيل نفسك -مثلا- و أنت تتخلص من المرض و كأنه طاقة تنسحب من الجسم.. سيساعدك هذا في الشفاء، ليس لأن المرض طاقة تنسحب من الجسم فعلا، بل لأن هذا التخيل يريحك نفسيا فيحفز جهازك المناعي.

 

يقولون  أيضا ان الافكار الايجابية تجذب الاحداث الايجابية.. كما في فيلم "السر" الشهير.. و هذا الكلام يمكن أن نعتبره صحيحا لو أخذناه بالمعنى المجازي البلاغي الأدبي (و هو ما قلته حين صدر هذا الكتاب).. فالتفاؤل يساعد الإنسان على التقاط الفرص و أن يكون أداؤه أفضل، لكن أن يقال أن هذه الطاقة حقيقة قام العلماء بقياسها و إثبات تأثيرها، فهذا دجل و شعوذة و مناقض للعلم و أبسط البديهيات.

 

 دعني أقل لك كيف...

 

في الخلايا العصبية طاقة كهربية يقيسها رسم المخ EEG بالفعل.. لكنها ليست إيجابية او سلبية.. لا توجد شحنات محددة حسب نوع الفكرة هنا.. لكن لو افترضنا جدلا أن هذا ممكن فيزيائيا، فما الذي سينجذب لهذه الطاقة بالضبط؟ ما معنى "الحدث الإيجابي" الذي سينجذب للفكرة الإيجابية؟ الحدث الايجابي ليس كيانا ماديا أصلا، بل تعبير مجازي لمجموعة من الاحداث و المواقف المتشابكة، التي نقرر نحن في وقت محدد أنها ايجابية.. و قد يعتبرها غيرنا سلبية..   لا يوجد شيء مجرد اسمه "حدث ايجابي" كي ينجذب -بشكل فيزيائي مادي- للطاقة الايجابية كما ينجذب الحديد للمغناطيس.. أليس كذلك؟

 

هذا الحدث "الإيجابي" قد يكون ترقية في العمل او ربح اللوتاري او الارتباط بمن تحب.. و هذه الاشياء "اعتبارية" و ليست كيانات فيزيائية لتنجذب لأي شيء.. هل "الترقية" شيء مادي؟ هل هي ايجابية ام سلبية؟ ماذا لو جعلتك الترقية تعمل لساعات طويلة أثرت في صحتك أو تسببت في زيادة أعداءك أو إهمال أشياء مهمة في حياتك الخاصة؟ هل لازالت الترقية شيئ ايجابي؟

 

ما يطلق عليه اعتباطا "علوم الطاقة" علوم كاذبة Pseudoscience أو علوم بدائية Protoscience بالمعنى الاكاديمي.. فهذه الممارسات -في معظمها- لا تخضع لأبحاث و دراسات تجريبية جادة تنشر في دوريات علمية محكمة و يناقشها العلماء الأكاديميون.. بل لها ما يشبه "المعلمين الكبار" الذين يأخذ عنهم التلاميذ آراءهم.. أو تستمد مصداقيتها من انها قديمة مارسها الصينيون منذ آلاف السنين.. و   هذه الأمور ليست مرجعيات في العلم الحديث!  لا تنخدع بمن يقول لك أنه درس "علم الطاقة" في امريكا مثلا.. ففي امريكا هناك مراكز لتعليم قراءة الكف و الفنجال و الكوتشينه و التنجيم.. عادي.. هذا لا يعني أن هذه الأشياء علمية أو حقيقية او ان مروجيها "علماء" بالمعنى الحديث للكلمة

 

.الحديث عن "الطاقة الايجابية" و "قوة الافكار الايجابية" شيء جيد على فكرة، و أشجعه جدا لما له من تأثير إيجابي على الناس.. هذه الممارسات مفيدة بالفعل .. فالبرمجة اللغوية العصبية NLPتعمل رغم أنها ليست علما و ليست أكاديمية.. و الإبر الصينية و اليوجا و التأمل ممارسات مفيدة طبيا لأن لها تأثيرا فسيولوجيا على الجهاز العصبي و جهاز المناعة.. فالإبر الصينية تفيد لأن من تأثيرها غلق الشارات العصبية (Gate control theory) لا لأنها "تسلّك مسارات الطاقة".. بل و أتقبل تماماً من يعتقد بوجود هذه الطاقة و مراكزها، لأن لكل شخص الحق في الاعتقاد بما يريحه, ليس لأن وجودها مثبت علميا!

 

لكن أن يستخدم أحدهم تعبير "طاقة الافكار الايجابية" كحقيقة مثبتة محسومة بالعلوم البحتة ( فيزياء الكم غالبا) و يقول أن "العلماء" قاموا بقياسها و تحديدها و التعرف على تأثيرها.. و أنها تشفي و تجذب و تغير..  دون الاشارة لمرجع أكاديمي أو جهة علمية مرموقة تثبت هذا الزعم، فهذا ما اعتبره تضليلا.

 

لا أرفض أي زعم لم يحدد العلم موقفه منه بعد.. فلا زلنا نكتشف الكثير عن عالمنا و أنفسنا.. لكن ما أرفضه قطعا هو ادعاء أن شيء ما مثبت علميا، بينما هو غير ذلك. فلا أرفض -مثلا- التداوي بالأعشاب لكن أرفض أن يقال أن العلم أثبت أن منقوع البردقوش و الشمر يعالج سرطان البنكرياس.. فهذا كذب! 

 

لذلك أوجه حديثي لمن يتحدث عن "قوة الأفكار الايجابية" لا باعتبارها استعارة لفظية او تعبير مجازي جميل.. بل كطاقة فيزيائية مجردة -كالمغناطيسية و الكهربية- قام العلماء بقياسها و إثبات تأثيرها.. من فضلك، تكلم عن هذه الأمور كما شئت لكن دون التمسح بالعلم الحديث..

 

فهذا يخرج من إطار تحفيز الناس، إلى إطار الترويج لمغالطات علمية.

 

د. شريف عرفة

تعليقات القراء