جديد الموقع

Loading

كيف نتناقش على الإنترنت ؟

بقلم د.شريف عرفة

طوال حياتي، لم أواجه هجوما شخصيا، كما حدث لي في هذه الصفحة التي يفترض أنها صفحة للمعجبين بأعمالي!

وجدت أن هذا يتكرر عند كثير من الكتاب و الصحفيين الذين ظننت أن لا خلاف على اعتدالهم ورحاحة عقولهم.. فهل يعقل أن يشتم شخص أستاذ جيلي د. أحمد خالد توفيق في تعليقات مقالاته ؟ هل يصل انحطاط الأسلوب إلى أن يؤلف أحدهم كتابا اسمه (إسكات الكلب العاوي يوسف القرضاوي) ؟

هذه الظاهرة لم تبدأ مع بداية الثورات العربية كما يظن البعض.. فقد كانت موجودة قبلها لكنها انتشرت و طالت عددا أكبر من الناس، و أصبح كل منا يحمل ماركة مسجلة: سلفي-إخواني - ليبرالي- قومي- فلول ...إلخ

و هي تصنيفات مضللة تحمل في ثناياها صورا كاريكاتورية نمطية أحيانا لا علاقة لها بالواقع.

من عيوب الإنترنت هي أنها جعلتك تتواصل مع كل من هب و دب.. ففي حياتك العادية تتعامل مع من يشاركونك في معظم أفكارك العامة، بحكم أنكم تعيشون في مكان و وسط اجتماعي و ثقافي و تعليمي واحد تقريبا.

لكن الإنترنت أتاحت وصول أناس من خلفيات مختلفة تماما لم تكن لتقابلهم في حياتك العادية.. أناس لديهم أفكار و خلفيات معرفية مختلفة تماما.. بعضهم مهووس بنشر الشتائم على الإنترنت كنوع من الإزاحة و التطهير النفسي لتعويض إحباطاته في الحياة.

هل تورطت يوما في نقاش من هذا النوع ؟

هل اختلف معك شخص و قضيتم وقتا طويلا في نقاش عقيم و انقلب كل منكما على الآخر في النهاية ؟ لهذا أكتب هذا الموضوع. حسنا.. ما الذي يجب أن نفعله قبل أن ننخرط في نقاش على الإنترنت؟

أولا: اسأل نفسك:

========

هل المناقشة مع هذا الشخص تستحق كل هذا العناء أصلا؟

لا تتورط في نقاش من هذا النوع إلا حين يكون عندك فائض من الوقت و المجهود الذهني.. لو كان عندك شيء أهم للقيام به -كعمل أو مذاكرة ..- فتجاهل هذا الحوار تماما لأنه لن يعود عليك بشيء.

ثانيا: الشروط

======

لو احتد الطرف الآخر أو شتم.. اعلن انسحابك من المحاورة فورا..لأن الموضوع لم يعد نقاشا.

لا تهبط بمستواك إلى شخص متطرف من هذا النوع.. فهو لا يستحق النقاش معه.

ثالثا: الحوار ليس مباراة ملاكمة

=============

لا تحاول إحراج الآخر و السخرية منه.. و ليكن هدف الحوار واضحا من البداية:

- أنا لا أريد تغييرك و لا أنت تريد تغييري.. لكننا نتبادل المعلومات ووجهات النظر كي نستفيد.

أكرر: ليس الهدف هو تغيير وجهة نظر الآخر، لكن معرفتها و تبادل الأفكار حولها.

رابعا: اكسر حدة التوتر

==========

أكد دوما على النقاط المشتركة بينكما.. كأن تكرر أن كلنا مصريون و أننا نريد الخير للبلد...إلخ

و التركيز على أن الهدف واحد -أو متقارب- لكن الطريقة مختلفة.

خامسا: تكلم لغته

========

ضع نفسك مكانه و انظر للموضوع من زاويته.. كي تفهم كيف يرى الأمور و كيف تستطيع إقناعه.

لو كان الحوار بين سلفي و ليبرالي مثلا.. على كل منهما أن يتعمق في فهم مرجعية الطرف الآخر كي يستطيع النقاش معه.. فالليبرالي يجب أن يكون حجته لإقناع السلفي: الأحاديث و القصص التاريخية و الأحكام الفقهية.. و السلفي يجب أن تكون حجته نماذج و تجارب الدول المعاصرة.. و هكذا.

لا تتكلم بمرجعيتك بل افهم مرجعية الشخص الآخر كي تكلمه من خلالها.. كما في النقطة التالية..

سادسا: اقرأ اقرأ اقرأ

========

استفد من هذه النقاشات و لا تحاول فقط هزيمة الطرف الآخر..

كي تفهم مرجعية الشخص الآخر يجب أن تتوسع في المعرفة و قراءة مصادره و مصادرك أنت أيضا.. لتكن هذه النقاشات دافعا لك كي تتعلم معلومات جديدة و تجمع حججا جديدة.

لا تتكبر في المعرفة و تعتقد أنك قد عرفت كل شيء فهذه سمة الجاهل.. اقض حياتك في البحث عن الحقيقة فهي لن تأتيك من تلقاء نفسها.. المعرفة متجددة و تحتاج إلى المجهود و إلى الصبر و التفكير بطرق مختلفة.. و ستندهش حين تدرك أن الطرف الآخر ليس شريرا كما كنت تظن.. و أن هناك أرضيات مشتركة كثيرة جدا بينكما.. لكن الإنسان -بطبيعته- عدو ما يجهل!

سابعا: تصالح مع الحياة

============

لا أحد يستطيع تغيير الدنيا.. اعمل اللي عليك و ماتاخدش الموضوع على أعصابك..

لا تتوقع أن يتغير الشخص بكلمات قليلة منك.. كل ما تستطيع أن تفعله هو أن تجعله يعيد التفكير في حساباته لو كان صادقا حقا في البحث عن الحقيقة. من قوانين الكون أن هناك حمقي في الحياة فعلا..

لو كتبت أنبل قيمة تؤمن بها في حياتك ، ستجد من يهاجمها و يشتمك و يستنكر هذا القول الفظيع !

هذه هي الحياة و هذه هي طبيعة الإنترنت.

د.شريف عرفة

تعليقات القراء