جديد الموقع

Loading

ثقافة اللون البني !

قابلت أحد اصدقائي الألمان أثناء زيارته لمصر...
وسألته عن رأيه –كالعادة- فيها، فأبدى إعجابه بكوبري 6 أكتوبر.. "آه والله العظيم"؛ مما أشعرني بالفخر غير المتوقع..
إلا أنه صدمني بحقيقة صغيرة: "لكن المصريين لا ينظفون بيوتهم!"
أذهلني هذا التعليق... فرحت أدافع باستماته عن هذا الافتراء... مؤكدا له أن "أم سيد" تنظف المنزل عندنا مرتين أو ثلاثة في الأسبوع عدم المؤاخذة... وكدت أكلم "أم سيد" نفسها كي تذود عن سمعة الوطن...
إلا أنه قال: "لا أعني البيوت من الداخل... بل من الخارج!"
"يعني إيه عدم المؤاخذة؟" "ألا تنظفون واجهات العمارات والمباني أبداً؟"

* * *

هناك سلسلة شهيرة من الكتب عبارة عن صور فوتوغرافية جميلة من بلدان العالم.
وجدت أحد الأعداد عن "مصر".. ففرحت فرحاً شديداً وتصفحت الكتاب... لأكتشف الحقيقة...
وهي أن عاصمتنا لونها بني!!
أثناء تجولي في شوارع العاصمة، أتأمل واجهات المباني المختلفة وأتساءل:
لماذا لا ندهن العمارات إلا باللون البني بدرجاته؟ "بيج- أصفر- بني محروق- بني فاتح"، أو حتى أبيض سيصبح بنياً بعد عدة أسابيع من التراب، ولن ينظف!
" وهناك سؤال آخر أكثر أهمية: لماذا نضع دائماً "الطرطشة" على واجهات المباني؟ "هل تعرفها؟ حين يغطى الحائط بالندوب والبروز والنتوءات الأسمنتية الصغيرة".
فكرت كثيراً في السبب لأستنتج في النهاية أن الأسباب الوجيهة هي:
- عشان تلم تراب أكثر.
- عشان تسهل على الفئران التسلق.. "رأيت فاراً يتسلق من هذا النوع"..
- عشان يستحيل تنظيفها..
- عشان لو واحد اتخبط فيها يتعور!
- عشان يكون شكلها قبيح!
هذه هي المميزات الوحيدة في الموضوع... وعلى الرغم من هذا نصر على استخدامها في معظم المباني في مصر..

* * *

نتوارث أشياء كثيرة ممن سبقونا، ونكررها في ميكانيكية... دون أن نفكر في مدى صحتها... والأمثلة كثيرة طبعاً.. لماذا يشذ المهندسون المعماريون عن هذه القاعدة؟ العمارة لابد أن تكون بنية... أمّال هتبقى إيه يعني... زرقاء لا سمح الله؟ مادامت الحياة بتستمر والناس بتسكن والعمارات بتتبني ولا أحد يشتكي فلا يوجد مشكلة... لا داع للتغيير إن لم يكن هناك ضرورة ملحة للتغيير... هذه هي القاعدة!
وسؤال صاحبنا مازال يتردد:
"ألا تنظفون واجهات العمارات والمباني أبداً؟"
يقول"ستيفن كوفي":
إن التعاون مع الآخرين مرحلة تأتي بعد تحقيق الذات.. فلا يمكن أن يعمل الإنسان بكفاءة في فريق عمل دون أن يكون قد حقق نفسه، كالطفل الذي تطلب منه أن يجري وهو ما زال يتعلم المشي!
أعتقد أن الفكرة تنطبق علينا ها هنا.. المصري لا يزال في مرحلة تحقيق الذات.. كل ما يريده هو حدود منزله...
مادام بيتي من الداخل نظيفاً فلا يهم ما يحدث بالخارج! لابد أن يحقق اكتفاءه الذاتي كي يفكر في نظافة الشارع أو دهان واجهة منزله أو حتى المنظر العام للعاصمة. الوطن الحقيقي للمواطن المصري هو حدود شقته وهو ما يحارب ويناضل -حرفيا- من أجله..
حين يشعر بالاستقرار في وطنه الصغير سيتسع مفهوم الوطن كي يصل إلى حدود مصر الجغرافية فعلاً! كنت أبحث عن شقة لأنني -عقبال عندكم- نويت أتجوز...
فأخذني السمسار إلى شقة في عمارة غير جميلة مدخلها مزعج بصرياً.. فرفضت أن يريني الشقة أساساً.. فقال الرجل مستغرباً: يا بيه دي من جوه حلوة.. وإنت مالك بالعمارة من بره؟؟؟
هل لاحظت الآن... إننا دولة من دول العالم الثالث، لأننا شعب من شعوب العالم الثالث، وليس العكس!

تعليقات القراء