جديد الموقع

Loading

لا يأس مع الحياة.. لكن ازاي ؟

بقلم:د.شريف عرفة

في الغالب، لم يكن الزعيم مصطفى كامل يعلم أن عبارته "لا معنى للحياة مع اليأس" دقيقة جدا من الناحية العلمية!

لو تأملت حياة الناجحين في أي مجال ستلاحظ شيئا مشتركا.. و هو أنهم واجهوا في حياتهم أياما كاحلة السواد مليئة بالصعاب و العثرات، و رغم هذا قرروا الاستمرار لسبب ما، و المواصلة لتحقيق أهدافهم و كأن شيئا لم يكن.
فماركيز قضي فترة من حياته جائعا مشردا يجمع الزجاجات الفارغة و يبيعها ليكسب قوته.. و عباس العقاد اضطر لإعطاء الدروس الخصوصية ليكسب عيشه..و بيل جيتس أنشأ شركة ccc قبل مايكروسوفت لكنه لم يوفق، و لم يستطع إكمال دراسته الجامعية.. إذ يبدو أن الظروف العصيبة هي السمة المشتركة و الاختبار الحقيقي الذي يحدد ما إذا كان الشخص جديرا بالنجاح أم لا.
لكن، ما الذي يجعل بعض الناس أكثر قدرة على مواصلة السعي؟
و ما الذي يجعل غيرهم ييأسون بسرعة و يقررون التوقف عن المحاولة؟
يسمي الباحثون في علم النفس الإيجابي هذه القدرة التي تميز بعض الناس عن غيرهم: "قوة المثابرة perseverance".. أي االقدرة على التمسك و التعلق بالهدف و استمرار محاولات الوصول له أيا كان الثمن و مهما واجه الإنسان من إحباطات.. و بالطبع يختلف رصيد هذه الصفة النفسية من شخص لآخر و من وقت لآخر..
إذن كيف يمكن أن نكتسب هذه الصفة؟
هل هناك طريقة معينة يمكن اتباعها كي نتغلب على اليأس و الإحباط؟
قام فاجيتا و زملاؤه بدراسة حديثة (٢٠٠٦) تجيب على هذا السؤال.. افترضوا أن هناك نمطان من التفكير يحكمان قوة تحملنا هما (التفكير في التفاصيل في مقابل التفكير في الصورة العامة).. كي نفهم ما فعلوه بالضبط تعالوا نتأمل معا هذه التجربة الشيقة..

جمع الباحثون مجموعة من الناس و قسموهم لفريقين، و كانت التجربة -باختصار- كالتالي:
الفريق الأول: جهز الباحثون عقولهم للتفكير في "التفاصيل".. فراحوا يسألونهم عن التمارين التي يمكن القيام بها للحفاظ على جسد صحي، كي تعتاد عقولهم على التفكير في التفاصيل ..
أما الفريق الثاني: جهز الباحثون عقولهم للتفكير في "الصورة العامة و الهدف النهائي" فراحوا يسألونهم عن الهدف من التمارين الرياضية و ما يمكن أن يحققه الإنسان لو واظب على الرياضة.
و بعد ذلك جعلوهم يمارسون رياضة بدنية تحتاج إلي قوة التحمل.. و هنا كانت المفاجأة..
وجدوا أن الفريق الثاني كان هو الأكثر قدرة على تحمل التمرين لفترة أطول.. فالفريق الأول استسلم سريعا.
ما معنى هذا؟
يقول الباحثون أن الذين يفكرون بطريقة "الصورة العامة و الهدف النهائي" يكونون أكثر قدرة على تحمل الصعاب و المتاعب.. من الذي يعيش اليوم بيومه و لا يرى أبعد من الأحداث التي تواجهه في هذه اللحظة.
ينسجم هذا الكلام مع مقولة "ستيفن كوفي" الكاتب الأشهر في مجال الإدارة حين قال : "ابدأ و المنال في ذهنك". أي أن تخيل الهدف النهائي يجعلنا قادرين علي المواصلة و المثابرة، أكثر من الذي لا يمتلك هدفا أو حلما يهون عليه ما هو فيه و يعطيه دفعة إيجابية كي يواصل المحاولة.. فمن لا يمتلك حلما لا معنى لحياته أصلا.
يصف مارتن سليجمان "معنى الحياة" بأنه ارتباط الإنسان بشيء أكبر منه. سواء كان قيمة عليا أو فكرة نبيلة أو معنى أخلاقي أو ديني.. هذا المعنى هو ما يعطينا الدفعة الإيجابية التي نحتاجها كي نكون أكثر إصرارا و قوة حين نواجه المصاعب.. فمثلا: المقاتل الذي يدافع عن وطنه و أرضه و قضيته، يكون أكثر إخلاصا و تفانيا من مرتزق يقاتل من أجل المال.. لأنه يقاتل من أجل شيء أكبر منه يعطي المعنى لحياته ذاتها .
أي أن "معنى الحياة " يرتبط بشكل كبير بالاستعداد لبذل مجهود مضاعف و عدم الاستسلام بسهولة.. فمن لا يعرف لحياته معنى أو هدف بعيد المدى، سييأس بسرعة و لن يبذل جهدا أكثر مما يلزمه الإنجاز اليومي المعتاد.

إذا أردت أن تقضي على اليأس في قلبك، عليك أن تخلق لحياتك معنى و هدف كبير تتعلق به و تريد تحقيقه.. لأن تفكيرك المستمر و شغفك بهذا الهدف هو ما سيجعلك قادرا علي مواجهة الصعاب و التحديات، لأن كل شيء يهون في سبيل هذا الهدف النبيل و المعنى العظيم الذي اخترته لحياتك.
من لا يعرف معنى للحياة ييأس بسرعة.. أي أن انعدام معنى الحياة مقترن باليأس و عدم المثابرة.. أو كما قال مصطفى كامل "معنى للحياة مع اليأس" !!
ألم أقل لكم أن عبارته دقيقة من الناحية العلمية؟
د.شريف عرفة

تعليقات القراء